الشيخ محمد رشيد رضا
523
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
محمد ، فقال اللّه ( قُلْ أَ نَدْعُوا ) الآية . وعن قتادة أنه قال في الآية : خصومة علمها اللّه محمدا ( ص ) وأصحابه يخاصمون بها أهل الضلالة . ولعل هذا مراد السدي إذ لا يظهر ان مراده ان المشركين قالوا ذلك مرة واحدة لبعض المؤمنين أو لجميعهم . بل كانوا يفتنون المسلمين دائما ويدعونهم إلى العود إلى الكفر ومنه ما روي من دعوة عبد الرحمن بن أبي بكر رضي اللّه عنهما لأبيه إلى الشرك - فنزلت الآية ردا عليهم ، فلقنهم اللّه تعالى هذه الحجة المؤثرة بما فيها من المثل الجلي الواضح لحالي الشرك وضلاله والتوحيد وهدايته ، في سياق حجج الحق الكثيرة في هذه السورة التي نزلت دفعة واحدة كما تقدم . والاستفهام للانكار والتعجب والمعنى قل أندعو - متجاوزين دعاء اللّه القادر على استجابة دعائنا - ما لا يضرنا ولا ينفعنا كالأصنام وسائر ما عبد من دون اللّه ، ونرد على أعقابنا بالعود إلى ضلالة الشرك الفاضحة بعد إذ هدانا اللّه إلى الاسلام ؟ ومن بلاغة هذه العبارة انها بينت علة الانكار والتعجب في الاستفهام من خمسة أوجه ( أحدها ) ان دعاء غير اللّه تعالى تحوّل وارتداد عن دعاء القادر على كل شيء الذي يكشف ما يدعى اليه ان شاء ، إلى دعاء العاجز الذي لا يقدر على نفع ولا ضر ( ثانيها ) أنه نكوص على الاعقاب وتقهقر إلى الوراء ، والعرب تقول فيمن عجز بعد قدرة ، أو سفل بعد رفعة ، أو أحجم بعد إقدام على محمدة : نكص على عقبيه ، وارتد على عقبيه ، ورجع القهقرى . والأصل فيه رجوع الهزيمة أو الخيبة والعجز عن السير المحمود ، ثم صار يطلق على كل تحول مذموم ، ( ثالثها ) التعبير بنرد المبني المجهول بدل التعبير بنرتد أو نرجع ، والنكتة فيه ان هذا التحول المذموم ليس من شأنه ان يقع من عاقل ، لان العاقل إذا وصل إلى مرتبة عالية من العلم والكمال فإنه لا يختار الرجوع عنها ، واستبدال الذي هو أدنى ، بالذي هو خير وأعلى ، فإذا كانت فطرته وعقله يأبيان عليه هذه الردة والنكوص فكيف يرد وهو لا يرتد ؟ ( رابعها ) ان من أنقذه اللّه القدير العزيز الرحيم من الضلالة ، وهداه إلى صراط السعادة ، بما أراه من آياته في الأنفس والآفاق ، وما شرح به صدره للاسلام ، فمن يقدر ان يضله بعد إذ هداه اللّه ؟ ( وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ، أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ) ( خامسها ) المثل الذي يصور المرتد في أقبح حالة كانت تتصورها العرب ، وذلك قوله تعالى